محمد طاهر الكردي

281

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

عمر ببصره في خزانة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا هو بقبضة من شعير نحو الصاع ، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة ، وعند رأسه أهب معلقة ، فابتدرت عيناه ، قال : ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟ قال : يا نبي اللّه ، وما لي لا أبكي ، وهذا الحصير قد أثر في جنبك ، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى ، وذلك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصفوته ، وهذه خزانتك ، فقال : يا ابن الخطاب ، ألا ترضى أن يكون لنا الآخرة ولهم الدنيا . وقال صلى اللّه عليه وسلم لعائشة رضي اللّه عنها : إن كنت تريدين الإسراع واللحوق بي ، فيكفيك من الدنيا كزاد الراكب . وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ، قال : اضطجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حصير ، فأثر في جنبه ، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه ، فقلت : يا رسول اللّه ، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على هذا الحصير شيئا يقيك منه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما لي وللدنيا ، ما أنا والدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها . وجاء فيه أيضا بصحيفة 122 ما يأتي : لا ريب أن هذا النجاح الفريد في بابه ، الذي لا مثيل له في التاريخ ، دليل ناطق بما وصل إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم من السمو الروحي . ومن المسلّم به أنه لا يمكن أن يتم أي إصلاح في أمة ما لم يشعر أفرادها بحب المصلح واحترامه ، واستعدادهم لطاعته ، وامتثال أمره ولن يستطيع أي مصلح بماله وسلطانه ، بل ولا بمعجزاته ، أن يحمل الناس على حبه واحترامه وطاعته ، فهذه أمور لا تتأتى للمرء إلا إذا كان على جانب كبير من السمو الروحي . لم يكن محمد في قومه ملكا مسلطا يملي عليهم أوامره ، بل كان يتبرأ من وسائل الإغراء التي من شأنها أن تجلب له كثرة الأتباع والأنصار ، فكان يقول لهم على لسان القرآن : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ - ومع ذلك كان يحظى بطاعة أصحابه ، وانقيادهم له إلى حد لا يتصوره العقل ، فكان كلامه فيهم كلام المحبوب الذي يحترمه المحب ويصغي له ، وإذا كان هذا هو حال أصحابه معه ، فما أخلقه أن يكون " أعظم المصلحين الدينيين نجاحا " في إصلاح الفرد والمجتمع ، ولا يمكن أن يتسنى هذا النجاح للمرء إلا أن يبلغ أسمى درجة في سلم الرقي الروحي .